سيّدي الرئيس…

 سيّدي الرئيس،

من قلبي سلامٌ إلى قلبك، فسلامُ المحبّةِ يطرق أبواب القلب ويُفتَح له برحابةِ الصدر.

منذ أن كنت طفلة، ربّما عندما كنت في الثالثة أو الرابعة من العمر، وأنا أسمع كلماتِ التقدير أو التنديد بشخصك الكريم. كبرت، ولا أزال أسمع باقاتٍ من تلك الورود التي تزفُّك بأوراقها أو ترشقك بأشواكها. ترعرعت في عائلةٍ يحبّك معظم أفرادها، ويتمنّون أن يعيشوا في زمنٍ تكون أنتَ حاكمه. ولكنّني أنا، في وسط هذه المحبّة التي يكنّونها لك، أحببتك أيضًا لأنّهم يحبّونك، من دون أن أعرفك، تمامًا مثل أيّ شابٍّ أو شابّةٍ من جيلي، حالفهم الحظّ بعيش شبابهم بعيدًا عن الحرب التي حرمت أهلنا من شبابهم وأحبابهم. وبما أنّ التاريخَ يُحكى ويُروى بذاتيّةٍ مطلقة لا سبيل إلى مناقشتها، فضّلت ألاّ أدخل في جدالات وسجالات لا تقدّم ولا تؤخّر، لا تحلّ ولا تربط.

وبعيدًا عن السياسة، سنحت لي الفرصة بأن ألتقي بك في الرابية العام 2006، عندما تحقّق كلام اليافطات وامتصّ الحجر حبرها وعاد العماد إلى لبنان. في مقابلةٍ جامعيّة لم تدم سوى ساعةٍ وربع، تكلّمنا وتحدّثنا، وضحكنا وتعرّفنا، وتركتَ في ذاكرتي كلمةً واحدة: “مهضوم”. ذلك الغريب الذي لطالما كنت أسمع عنه، ذلك الرجل العسكريّ الذي لطالما رُدِّدَ اسمه في أذنيّ، تحوّل من غريبٍ إلى ذكرى أغرب.

ولأنّني لا أحبّ السياسة وكلام السياسة، أكتب هذا المقال، لأعبّر للرئيس المنتخَب عن أملي به وأمنياتي.

فلو كنتَ يا سيّدي الرئيس والدي، لكنت طلبتُ إليكَ أن تجعلني وزيرةً في حكومتك، أو أن تصنع لي عرسًا فضفاضًا ملوكيًّا يليق بابنة رئيس جمهوريّة.

ولكنّك لست والدي!

لو كنتَ زوجي يا سيّدي الرئيس، لكنت طلبتُ إليكَ سيّارةً فخمة أو قصرًا واسعًا يلعب فيه الأولاد.

ولكنّك لست زوجي!

لو كنتَ ابني يا سيّدي الرئيس، لكنت طلبتُ إليكَ أن تسامحني لأنّني لم أتمكّن من منحك هويّتي.

ولكنّك لستَ ابني!

لو كنتَ يا سيّدي الرئيس أخي، لكنت طلبت إليك أن يرافقني رجال الأمن في تنقّلاتي كلّها.

ولكنّك لستَ أخي!

لو كنتَ يا سيّدي الرئيس جدّي، لكنتُ طلبتُ إليكَ أن ترتاح وتراجع الطبيب لأنّني أخاف عليك.

ولكنّك لستَ جدّي!

وبما أنّك يا سيّدي الرئيس لا تمتّ إليّ بأيّ صلةٍ دمويّة أو عاطفيّة، فأنت لستَ أبي، ولا زوجي، ولا ابني، ولا اخي، ولا جدّي، أطلب إليك أن تساعد وطني لبنان لكي تتمكّن شبيبته من أن تتزوّج وتحضّر عرسًا ولو متواضعًا، وتؤسّس عائلة من دون الوقوع في الديون، وتشتري منزلاً صغيرًا يأويها ويحتضن حبّها، وتستعيد النساء حقوقها المفقودة،  وكم هي طويلةٌ اللائحة! فالنساء في بلادي يُضربن، ويُشتَمنَ، ويُقمَعن، ويحتفظ الرجل بحرّيّتهنّ في  جيب بنطاله، وكأنّهنّ قطع نقديّة أو أوراق ثبوتيّة. هنّ يلدن الأطفال بلا هويّة ولا قيد، وما من متفرّجٍ يحرّك ساكنًا. وطني لا يتنقّل أبناؤه بأمنٍ وسلامٍ من دون أن يعترض شبح الموت  طريقهم، ولا يتمتّع فيه ذلك العجوز الفقير بأبسط حقوقه المدنيّة والحياتيّة من طبابةٍ واستشفاء وحياةٍ لائقة قبل أن تغدره هذه الدنيا.

سيّدي الرئيس، بعد أن تزوّجت، انتقلت إلى كندا وهناك أعيش. وحسرتي لا تضاهيها حسرة لِما قدّمت لي كندا وفشل لبنان في منحي إيّاه. فقد شعرت أنّني في مونتريال لا أختلف أبدًا عن زملائي في الوطن، لأنّ لا أحد يسند ظهر أحدٍ في هذه البقعة الجغرافيّة. كلّنا أبناء هذا الوطن، وكلّنا نعمل يدًا واحدة لتحسينه. وكم أتمنّى أن يصل كلّ كفوء إلى مركزه، وينال كلّ صاحب حقّ حقّه، ويعيش المواطن اللبنانيّ من دون وساطات ولا تقبيل أياد.

صحيح أنّني سعيدة في بلدي الثاني، ولكن، كنت سأعيش في غاية السعادة لو أنّني الآن في بلدي لبنان، بجانب عائلتي، وفي ذلك المكتب بالأشرفيّة… كلّنا هاجرنا لمستقبل أفضل، وسنرجع يومًا لنصنع المستقبل، إذا ما التمسنا بريق الأمل في مستقبلٍ نتمنّى أن يحرّره عهدك الرئاسيّ.

سيّدي الرئيس،

من أجل كلّ مَن أحبّك، وكلّ الأموات الذين يباركون لك من قبورهم وحُرموا من لحظة تعيينك رئيسًا على لبنان العظيم، وكلّ الفتيان والفتيات الذين افترشوا الطرقات تعبيرًا عن فرحهم وأملهم، وكلّ لبنان الاغتراب الذي احتفل بنجاحك وأقام الصلوات والقداديس على نيّتك… بكلّ بساطة، من أجل كلّ لبنانيّ مقيم أو مغترب آمن بقوّتك وقدرتك،

من أجل كلّ الشقاء الذي هدّ أجسادنا وجيوبنا وحتّى أخلاقنا،

أطلب إليك ألا تفرّط بثقتنا، وأن تحاول وتحاول وتحاول، مهما صعبت الظروف وساءت الأوضاع.

منحَك الله العمر المديد وأنهكك بالعمل الشديد!

Advertisements

4 Comments Add yours

  1. chatou11 says:

    Bonjour Claire merci d’être passée dans mon univers. Malheureusement j’ai beau cliqué sur la traduction “français” je n’y arrive pas. Il y a surement quelque chose que je ne fais bien. J’aimerais beaucoup lire vos textes.
    a bientôt

    Like

    1. Oui, c’est parce que ce texte n’est pas traduit ou écrit en français. Je vais le faire très bientôt. C’est un texte dédié au nouveau président de la république libanaise récemment élu après 2 ans et demi de vide où ce poste était vacant. On s’attend au mieux et on estime beaucoup de lui. En espérant que toutes nos attentes ne soient pas en vain!!

      Like

  2. Antoine says:

    Very nice words !

    Like

    1. Thank you Antoine 🙂

      Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s