أسرى في سجون الموت والحياة

بين الحياة والموت إلهٌ عظيم

غريب كيف أنّ العصيان يسري في دم الإنسان. فمنذ بدء التكوين، ونحن نرى الإنسان، المرموز إليه بآدم أو حوّاء، وهو يعصي مشيئة الله وينكر النعمة التي وهبه إيّاها الله: الحياة.

منحنا ربّنا أثمن ما يمكن، وخلقنا بعقلٍ يفكّر، ولسانٍ يعبّر، وقلبٍ يشعر. ولكنّنا في المقابل استخدمنا عقلنا لندمّر، ولساننا لنحقّر، وقلبنا لنقهر. أعطانا طبيعةً خلاّبةً تمجّد خالقها، فشوّهتها كسّاراتنا. إقتلعنا جذوع الأشجار ونشرنا منها خشبةً لنصلب عليها يسوع المسيح؛ نقّبنا عن المعادن واستخرجنا الحديد، فصنعنا منه المسامير لنعلّق بها يسوع على الصليب؛ زرعنا الورود الباسمة الممشوقة نحو الخالق، وبدل أن نتمتّع بجمالها ونشمّ رائحتها، انتزعنا شوكها واستمتعنا بحياكة إكليل من الشوك لكي نضعه على رأس يسوع المصلوب.

بين الحياة والموت إلهٌ عظيمٌ تجسّد ليخلّصنا، فصُلب ومات بأبشع الطرق. ولكنّه قام! حقًّا إنّه قد قامَ وحوّل الموت قيامةً والصلبَ مجدًا. ولكنّ الإنسان، وبكلّ ما أوتِيَ من قوّة وذكاء، لا يزال يعانق الموت ويخاف من الحياة.

بين الحياة والموت وحشٌ

“فرَفَعَ عَينَيهِ وهوَ في مَثْوى الأَمْواتِ يُقاسي العَذاب، فرأَى إِبْراهيمَ عَن بُعدٍ ولَعازَرَ في أَحضانِه. فنادى: يا أبتِ إِبراهيمُ ارحَمنْي فأَرسِلْ لَعاَزر لِيَبُلَّ طَرَفَ إِصبَعِه في الماءِ ويُبَرِّدَ لِساني، فإِنِّي مُعَذَّبٌ في هذا اللَّهيب. فقالَ إِبراهيم: يا بُنَيَّ، تَذَكَّرْ أَنَّكَ نِلتَ خَيراتِكَ في حَياتِكَ ونالَ لَعاَزرُ البَلايا. أَمَّا اليَومَ فهو ههُنا يُعزَّى وأَنت تُعَذَّب. ومع هذا كُلِّه، فبَيننا وبَينَكم أُقيمَت هُوَّةٌ عَميقة، لِكَيلا يَستَطيعَ الَّذينَ يُريدونَ الاجتِيازَ مِن هُنا إِلَيكُم أَن يَفعَلوا ولِكَيلا يُعبَرَ مِن هُناك إِلَينا. فقال: أَسأَلُكَ إِذاً يا أَبتِ أَن تُرسِلَه إِلى بَيتِ أَبي، فإِنَّ لي خَمسَةَ إِخَوة. فَلْيُنذِرْهُم لِئَلاَّ يَصيروا هُم أَيضاً إلى مَكانِ العَذابِ هذا. فقالَ إِبراهيم: عندَهُم موسى والأَنبِياء، فَلْيَستَمِعوا إِلَيهم. فقال: لا يا أَبتِ إِبراهيم، ولكِن إذا مَضى إِليهِم واحِدٌ مِنَ الأَمواتِ يَتوبون. فقالَ له: إِن لم يَستَمِعوا إِلى موسى والأَنبِياء، لا يَقَتَنِعوا ولو قامَ واحِدٌ مِنَ الأَموات” (لو 16: 23-31).

لو أنّ الإرهابيّين والمجرمين يقرأون هذا النصّ ويتمعّنون به، ما كانوا ليمارسوا حقدهم ووحشيّتهم على الأبرياء والضعفاء. في عالمنا اليوم، أحقادٌ متربّصة بالعقول، ووحشيّة سيطرت على مركز المشاعر. من داعش إلى القاعدة إلى بوكوحرام، إرهابٌ متنقّل بين العالم العربيّ وأوروبا وأميركا. أساليبُ قتلٍ وتعذيب تعود أصولها إلى العصور الحجريّة، وأحزمة ناسفة تعوّدت العين على شكلها والأذن على صوتها.

وحشٌ لا يقتصر على الإرهابيّين المتشدّدين وحسب، ولا على أسلحتهم البربريّة والضارية، بل يتخطّاهم ليشملنا كلّنا. غريبٌ كيف أنّنا نتسلّح بالصراخ، ونتدرّع بالكلام البذيء، ونتحصّن بالعنف في كلّ مرّةٍ تميل فيها الدفّة لصالح غيرنا. غريبٌ كيف أنّ الرجلَ الشرقيّ ينتفش ريشه كنسرٍ كاسرٍ يحلّق فاتحًا جناحيه في سماء مجتمعٍ يحلّل له تعنيف المرأة وينقضّ عليها ناخرًا جسدها بكدماتٍ وجروح قد تلتئمُ مع مرور الزمن، تاركةً خلف المستور ندباتٍ عميقة لا شيء يداويها. غريبٌ كيف أنّ المرأة لم تعد تقبل بمظهرها الخارجيّ، ولا ببيتها المتواضع؛ فالأولاد من جهة يأكلون مع المربّية، ويدرسون مع المربّية، وينامون إلى جانب المربّية، والأعمال المنزليّة من جهة أخرى، والمسؤوليّات، والترتيبات، والطبخ، كلّه يقع على عاتق تلك المسكينة التي يتمّ استقدامها من بلادها الفقيرة إلى بلادٍ أرقى نوعًا ما لكي تكسب عيشها بتعب جبينها، هذا إن سمح لها ربّ المنزل بذلك! غريبٌ كيف أنّ الحكّام يتمسّكون بكراسيهم وحقائبهم الوزاريّة، وبكلّ وقاحةٍ يتلاعبون بمصير وطنٍ وصحّة شعبٍ بكامله! فسادٌ مطلَق يعانق الإنسان ويُسكره في مكره، والشاطر مَن يخلّص نفسه من هذا الوحش الذي يبهر العيون ببريقه المزيّف. غريبٌ كيف أنّنا لا نحرّك ساكنًا لمساعدة الآخرين، طالما أنّ لا صلة لنا بهم أو بالفاجعة التي ألمّت بهم. غريبٌ كيف أنّنا نربّي وحشًا صغيرًا في داخلنا ندافع به عن أنفسنا عندما يلزم، متناسين أنّ أعظم الأسلحة بين أيدينا هو الحبّ!

بين الحياة والموت موتٌ

في مفهومنا الأرضيّ والملموس، نعتبر أنّ الموت قد يفتك بالإنسان عندما يتوقّف قلبه عن الخفقان، وتُتلَف أنسجته الدماغيّة. ولكن، في الحقيقة، للموت أعراضٌ أخرى تقتحم الحياة في قلب الحياة.

ليس من الضروريّ أن يلفظ المرء أنفاسه الأخيرة، ويغمض عينيه، وينام في سبات أبديّ عميق، ويسكت نبضه، ويتوقّف جسده عن الحركة وعقله عن التفكير لكي نستنتج أنّه قد فارق الحياة.

فنحن نموت كلّ يومٍ في عالمٍ نحاول أن نقتفيَ فيه أثر الإنسانيّة الضائعة. نحن نموت مع كلّ عزيز نفقده محاولين أن نتبعه إلى قبره. نحن نموت في كلّ مرّةٍ تبوء فيها مشاريعنا بالفشل وتحبطنا أحاسيسنا وتفقدنا الثقة. نحن نموت مع كلّ إفلاسٍ مادّيّ وأخلاقيّ يدخلنا في دوّامةِ الكآبة اللاّمبرَّرة.

في الواقع، غالبًا ما ننغمس في ظلمة الموت الحالكة، ونتعلّق بحبال الخيبة القاتلة، وننسى أنّه بعد الموت، قيامةٌ وحياة!

بين الحياة والموت حياةٌ

من باطن هذا الظلم الكافر الذي يحدق بنا من كلّ حدب وصوب ويطوّق آفاقنا ويخفت أنفاسنا، بريقٌ وبصيصٌ. من قلب حسرة الموت مَن يحوّل حزنه فرحًا، ويأسه أملاً، وتشاؤمه رجاءً وتفاؤلاً وإيمانًا. في هذه الحياة مآسٍ لا تحصى، وقصص لا تُعدّ، وخيبات لا تعوَّض. ولكن، في الحياة الثانية أفراح لامتناهية، وضحكات لامحدودة، وسلام لامشروط. في الحياة عناية إلهيّة ترشدنا وتحاول أن تساعدنا، فلنحضّر النظّارات لاستقصاء شعاعها، ونثبّت السمّاعات لالتقاط صداها.

بين الحياة والموت قواعد

في الحياة ماضٍ وحاضر ومستقبل، وفيها نصرّف أفعالنا بحسب الزمن الذي يناسبنا. بعضُ أفعالنا ناقصة، تُشبَّه بالأفعال، ولكنّها تبقى ناقصة، وبحاجةٍ إلى فتحةٍ على المستقبل وضمّةٍ لا كسرة. أمّا أحوالنا الشخصيّة فهي تتأرجح بين مفعول به، ومفعول لأجله، ومفعول معه. ناهيك عن التمييز القائم على أساسٍ عنصريّ، وإثنيّ، وجندريّ، والدينيّ، والمذهبيّ، والعرقيّ، والعمريّ، والثقافيّ والذي يأتي قرصًا مدمجًا بطبيعتنا البشريّة. فهل من مستثنى؟ الضمائر في عالم اليوم تضمحلّ، وأسلوب المدح والذمّ والشرط يتضاعف. والأسوأ من هذا كلّه، أنّنا نعيش مع جمع مذكّر غير سالمٍ يطبّق قواعد التكسير بشكل شبه يوميّ.

بين الحياة والموت تاءٌ

هكذا هي الحياة، أحداثٌ متتالية وأيّامٌ متسارعة؛ أماكن باقية وذكرياتٌ هائمة… بشكلٍ طبيعيّ تتنقّل أنتَ يا صديقي بين كفَّي الحياة والموت، فتارةً تميل الدفّة إلى الأولى، وتارةً أخرى إلى الثانية.

في الحياة مَن يتمنّون الموت، وعلى فراش الموت مَن يتمسّكون بالحياة… مفارقةٌ قد تبدو لنا طبيعيّة، ولكنّها في قمّة الغرابة. فعلاً! نقتحم هذه الحياة بغير رضانا، ونُقتَلَعُ منها بغير رضانا أيضًا، ولا مَن يُرضينا!

في الحياة حُفاةٌ ينتعلون الفقرَ المدقع وما من عينٍ تبصر، وشُكاةٌ يصرخون وما من أذنٍ تسمع، وقُساةٌ يَظلمون وما من قلبٍ يحنّ! في الحياة قُضاةٌ يحكمون بقانونِ الرشوة، وطُهاةٌ يسمّمون عقول الإخوة، ورُعاةٌ يسهرون على تأجيج العداوة. في هذه الحياة فتاةٌ مشتهاة وحقٌّ مهدور، ولامبالاةٌ وشهود زور، ولا مواساة ولا مساواة. مُقاساةٌ ومعاناةٌ، وأدنى شروط العيش غير مستوفاة! إلى مَن يقرأ، مناجاةٌ ومُناداة!

في الحياة أيضًا بقلاوة وحلاوة وقهوة، وأبوّة وبنوّة وأخوّة، وشهوة ونزوة ونشوة، ومالٌ وجاهٌ وثروةٌ. في الحياة نقاوة ونداوة، وأحزانٌ ممحوّة، وآمالٌ مزهوّة. ولكن، بين هذه الحياة والمقلب الآخر من الحياة هفوة، وكم عميقة هي الهوّة!

في الموت كلامٌ يتفاوت ومنطقٌ يتماوت. في الموت تابوتٌ يَستر، وبيوتٌ تَستَتِر، ويخوتٌ تَتَبخّر. في الموت جبروت يُداس وصوتٌ يُغتال. في الموتِ ديناميتٌ يفتّت القلوب، ووقتٌ يباغتُ الكَذوب، ومَقْتٌ يشعل الحروب.

في الموت أيضًا صَمتٌ يطوّق المكان والزمان، ورفاتٌ تتشوّق لها الأذهان، وسُباتٌ عميق تقشعرُّ له الأبدان.

بين الحياة والموت تاءٌ، في الأولى مربوطة وفي الثانية مبسوطة. في الحياة تاءٌ تربطك بملذّاتها، وتنسيكَ جوهرها، وتوقعك في فخّها؛ وفي الموت تاءٌ تبسطك بتجرّدٍ أمام الخالق، وتحاسبك وتدينك، وتزجّك في الجحيم أو ترفعك إلى النعيم. فلتتعلّم يا صديقي قواعد كتابة التاء، مربوطةً كانت أم مبسوطة، في الحياة قبل أن يفوت الأوان في الممات!

(صدرت المقالة في مجلّة المشرق الرقميّة، العدد التاسع، كانون الأوّل 2016)

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s