أسرى في سجون الموت والحياة

بين الحياة والموت إلهٌ عظيم

غريب كيف أنّ العصيان يسري في دم الإنسان. فمنذ بدء التكوين، ونحن نرى الإنسان، المرموز إليه بآدم أو حوّاء، وهو يعصي مشيئة الله وينكر النعمة التي وهبه إيّاها الله: الحياة.

منحنا ربّنا أثمن ما يمكن، وخلقنا بعقلٍ يفكّر، ولسانٍ يعبّر، وقلبٍ يشعر. ولكنّنا في المقابل استخدمنا عقلنا لندمّر، ولساننا لنحقّر، وقلبنا لنقهر. أعطانا طبيعةً خلاّبةً تمجّد خالقها، فشوّهتها كسّاراتنا. إقتلعنا جذوع الأشجار ونشرنا منها خشبةً لنصلب عليها يسوع المسيح؛ نقّبنا عن المعادن واستخرجنا الحديد، فصنعنا منه المسامير لنعلّق بها يسوع على الصليب؛ زرعنا الورود الباسمة الممشوقة نحو الخالق، وبدل أن نتمتّع بجمالها ونشمّ رائحتها، انتزعنا شوكها واستمتعنا بحياكة إكليل من الشوك لكي نضعه على رأس يسوع المصلوب.

بين الحياة والموت إلهٌ عظيمٌ تجسّد ليخلّصنا، فصُلب ومات بأبشع الطرق. ولكنّه قام! حقًّا إنّه قد قامَ وحوّل الموت قيامةً والصلبَ مجدًا. ولكنّ الإنسان، وبكلّ ما أوتِيَ من قوّة وذكاء، لا يزال يعانق الموت ويخاف من الحياة.

Continue reading “أسرى في سجون الموت والحياة”

مطرٌ ارتطم بأحلامها فطمرته…

dream-interpretation-rain-1-465x248

يومٌ باردٌ آخر أطلّ على تلك الفتاة، يومٌ باردٌ آخر سرقها من هذا العالم الحسّي وسافر بها إلى عالمٍ ليس فيه سوى فرح وحبّ وأمل. بكلّ براءةٍ اتّجهت نحو النافذة، بعينين حالمتين حاملتين دموع خفيّة، دموع ليست دموع فرح ولا حزن بطبيعة الحال، دموع وإن كانت خفيّة، يشعر بها كلّ مَن ينظر إلى وجه تلك الصبيّة. وقفت هناك، أمام النافذة، من دون حراك، من دون كلام، من دون تعبير…

بماذا عساها تفكّر؟ أتتذكّر لحظات الحبّ الدافئة التي تنهمر على جسدها مطرًا فتجمّدها وتشلّ حركتها؟ أم تتذكّر أصدقاء الكذب والرياء الذين يصطدمون بصدقها فجأةً فيتركونها وينسون أمرها؟ لعلّها تنظر إلى الثلج الأبيض وتتخيّل نفسها ملكةً مكلّلةً بفستانٍ أبيض تسير على حبّات الرزّ وبتلات الورد؟! لعلّها تشعر بإصبعه يزيّن إصبعها بأثمن الخواتم على الإطلاق، وبنظرته تحرّك حواسها، وبغزله يدغدغ أذنها؟! ماذا لو كانت شاردةً في العدم وهائمةً في اللاشيء؟!

rain-465x261

في نبضها أملٌ مملّ… في قلبها محبّةٌ محبطة… ترى العالمَ يدور بسرعةٍ وحياتها تتقدّم ببطء…

فجأةً، ومن دون إنذار، عادت إلى سريرها، وسالت على خدّيها دموعٌ براقةٌ سرعان ما تفجّرت ينابيعَ غزيرة غطّت وسادتها، وجهشاتٍ عبثًا حاولت إحباطها، وأوجاعًا لا سبيل إلى شفائها… على الأقلّ، حاليًّا!

ab33ad-info-9f06c5f8cf

لقد رحل… تركها في وحدتها الجارفة ورحل… تركها تتآكل في صدمتها، وتحترق في آلامها، وتذبل في حيويّتها. إحترم رأيها وابتعد… ولكنّها كم كانت ترغب في أن يوقفها، ويمنعها عن قرارها المتعسّف، ويردّد غير مرّة: “أحبّك يا فتاة”. ولكن لا، قَبِلَ وابتعد، بكلّ بساطة… فأدركَت أنّه غاب… واستفاقت من كابوسها لتغرقَ في كابوس أشدّ ظلمةً من نفقها الطويل الذي تسير فيه، وكالعادة، وحيدةً!

غَفَت… واستيقظت صباح اليوم التالي برفقة الشمس الساطعة التي أضاءت حياتها مجدّدًا بأملٍ صادق ونورٍ ثابت. فاستعادها حلمها، وطارت همومها، ثمّ غطّت في عالم النجوم، عالم البريق، حيث الحياة الجديدة تلامس بالإيجابيّة أفكارها، والتصميم على المضيّ قدمًا، بنجاح، وفرح، وقوّة يقولبُ نفسيّتها.

%d9%85%d8%b7%d8%b1

سيّدي الرئيس…

 سيّدي الرئيس،

من قلبي سلامٌ إلى قلبك، فسلامُ المحبّةِ يطرق أبواب القلب ويُفتَح له برحابةِ الصدر.

منذ أن كنت طفلة، ربّما عندما كنت في الثالثة أو الرابعة من العمر، وأنا أسمع كلماتِ التقدير أو التنديد بشخصك الكريم. كبرت، ولا أزال أسمع باقاتٍ من تلك الورود التي تزفُّك بأوراقها أو ترشقك بأشواكها. ترعرعت في عائلةٍ يحبّك معظم أفرادها، ويتمنّون أن يعيشوا في زمنٍ تكون أنتَ حاكمه. ولكنّني أنا، في وسط هذه المحبّة التي يكنّونها لك، أحببتك أيضًا لأنّهم يحبّونك، من دون أن أعرفك، تمامًا مثل أيّ شابٍّ أو شابّةٍ من جيلي، حالفهم الحظّ بعيش شبابهم بعيدًا عن الحرب التي حرمت أهلنا من شبابهم وأحبابهم. وبما أنّ التاريخَ يُحكى ويُروى بذاتيّةٍ مطلقة لا سبيل إلى مناقشتها، فضّلت ألاّ أدخل في جدالات وسجالات لا تقدّم ولا تؤخّر، لا تحلّ ولا تربط.

وبعيدًا عن السياسة، سنحت لي الفرصة بأن ألتقي بك في الرابية العام 2006، عندما تحقّق كلام اليافطات وامتصّ الحجر حبرها وعاد العماد إلى لبنان. في مقابلةٍ جامعيّة لم تدم سوى ساعةٍ وربع، تكلّمنا وتحدّثنا، وضحكنا وتعرّفنا، وتركتَ في ذاكرتي كلمةً واحدة: “مهضوم”. ذلك الغريب الذي لطالما كنت أسمع عنه، ذلك الرجل العسكريّ الذي لطالما رُدِّدَ اسمه في أذنيّ، تحوّل من غريبٍ إلى ذكرى أغرب.

ولأنّني لا أحبّ السياسة وكلام السياسة، أكتب هذا المقال، لأعبّر للرئيس المنتخَب عن أملي به وأمنياتي.

فلو كنتَ يا سيّدي الرئيس والدي، لكنت طلبتُ إليكَ أن تجعلني وزيرةً في حكومتك، أو أن تصنع لي عرسًا فضفاضًا ملوكيًّا يليق بابنة رئيس جمهوريّة.

ولكنّك لست والدي!

لو كنتَ زوجي يا سيّدي الرئيس، لكنت طلبتُ إليكَ سيّارةً فخمة أو قصرًا واسعًا يلعب فيه الأولاد.

ولكنّك لست زوجي!

لو كنتَ ابني يا سيّدي الرئيس، لكنت طلبتُ إليكَ أن تسامحني لأنّني لم أتمكّن من منحك هويّتي.

ولكنّك لستَ ابني!

لو كنتَ يا سيّدي الرئيس أخي، لكنت طلبت إليك أن يرافقني رجال الأمن في تنقّلاتي كلّها.

ولكنّك لستَ أخي!

لو كنتَ يا سيّدي الرئيس جدّي، لكنتُ طلبتُ إليكَ أن ترتاح وتراجع الطبيب لأنّني أخاف عليك.

ولكنّك لستَ جدّي!

وبما أنّك يا سيّدي الرئيس لا تمتّ إليّ بأيّ صلةٍ دمويّة أو عاطفيّة، فأنت لستَ أبي، ولا زوجي، ولا ابني، ولا اخي، ولا جدّي، أطلب إليك أن تساعد وطني لبنان لكي تتمكّن شبيبته من أن تتزوّج وتحضّر عرسًا ولو متواضعًا، وتؤسّس عائلة من دون الوقوع في الديون، وتشتري منزلاً صغيرًا يأويها ويحتضن حبّها، وتستعيد النساء حقوقها المفقودة،  وكم هي طويلةٌ اللائحة! فالنساء في بلادي يُضربن، ويُشتَمنَ، ويُقمَعن، ويحتفظ الرجل بحرّيّتهنّ في  جيب بنطاله، وكأنّهنّ قطع نقديّة أو أوراق ثبوتيّة. هنّ يلدن الأطفال بلا هويّة ولا قيد، وما من متفرّجٍ يحرّك ساكنًا. وطني لا يتنقّل أبناؤه بأمنٍ وسلامٍ من دون أن يعترض شبح الموت  طريقهم، ولا يتمتّع فيه ذلك العجوز الفقير بأبسط حقوقه المدنيّة والحياتيّة من طبابةٍ واستشفاء وحياةٍ لائقة قبل أن تغدره هذه الدنيا.

سيّدي الرئيس، بعد أن تزوّجت، انتقلت إلى كندا وهناك أعيش. وحسرتي لا تضاهيها حسرة لِما قدّمت لي كندا وفشل لبنان في منحي إيّاه. فقد شعرت أنّني في مونتريال لا أختلف أبدًا عن زملائي في الوطن، لأنّ لا أحد يسند ظهر أحدٍ في هذه البقعة الجغرافيّة. كلّنا أبناء هذا الوطن، وكلّنا نعمل يدًا واحدة لتحسينه. وكم أتمنّى أن يصل كلّ كفوء إلى مركزه، وينال كلّ صاحب حقّ حقّه، ويعيش المواطن اللبنانيّ من دون وساطات ولا تقبيل أياد.

صحيح أنّني سعيدة في بلدي الثاني، ولكن، كنت سأعيش في غاية السعادة لو أنّني الآن في بلدي لبنان، بجانب عائلتي، وفي ذلك المكتب بالأشرفيّة… كلّنا هاجرنا لمستقبل أفضل، وسنرجع يومًا لنصنع المستقبل، إذا ما التمسنا بريق الأمل في مستقبلٍ نتمنّى أن يحرّره عهدك الرئاسيّ.

سيّدي الرئيس،

من أجل كلّ مَن أحبّك، وكلّ الأموات الذين يباركون لك من قبورهم وحُرموا من لحظة تعيينك رئيسًا على لبنان العظيم، وكلّ الفتيان والفتيات الذين افترشوا الطرقات تعبيرًا عن فرحهم وأملهم، وكلّ لبنان الاغتراب الذي احتفل بنجاحك وأقام الصلوات والقداديس على نيّتك… بكلّ بساطة، من أجل كلّ لبنانيّ مقيم أو مغترب آمن بقوّتك وقدرتك،

من أجل كلّ الشقاء الذي هدّ أجسادنا وجيوبنا وحتّى أخلاقنا،

أطلب إليك ألا تفرّط بثقتنا، وأن تحاول وتحاول وتحاول، مهما صعبت الظروف وساءت الأوضاع.

منحَك الله العمر المديد وأنهكك بالعمل الشديد!